التشريعات العقارية السعودية تضع مكة والمدينة في قلب الطموحات الاستثمارية العالمية

لقد تغيرت البيئة التشريعية والتنظيمية المملكة العربية السعودية المحرك الرئيسي لإعادة تشكيل المشهد الاستثماري في مدينتي مكة والمدينة، بما يدفع القطاع العقاري من أطره المحلية التقليدية نحو الآفاق العالمية. وقد أدى هذا التحول الهيكلي، مدفوعًا بمجموعة غير مسبوقة من القرارات التنظيمية التي وافقت عليها الحكومة خلال عام 2025 ودخولها حيز التنفيذ مع بداية عام 2026، إلى ظهور نموذج مبتكر للسوق العقاري يعتمد على تنويع المنتجات الاستثمارية وجذب الشركات الكبرى والمستثمرين الدوليين. وتأتي هذه الإصلاحات التنظيمية ضمن طفرة في مشاريع البنية التحتية العملاقة حول الحرمين الشريفين، لتجسيد أهداف “رؤية 2030” المتمثلة في زيادة طاقة الحجاج وتحويل المنطقة الغربية إلى وجهة جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية، مما أدى إلى سلسلة من القرارات الهيكلية والمشاريع الميدانية التي بدأت في إعادة تشكيل خصائص قطاع الاستثمار.

وفي العام الماضي صدرت عدة قرارات وقوانين أهمها موافقة مجلس الوزراء. سعودي وفي يوليو الماضي، تمت الموافقة على نظام محدث يسمح لغير السعوديين بتملك العقارات في المملكة، مع ضوابط محددة للتملك في المدينتين المقدستين. ودخل القرار حيز التنفيذ مطلع العام الجاري. ويتوقع المحللون أن يساعد ذلك بشكل مباشر في جذب الشركات العالمية وزيادة الطلب على الوحدات السكنية والفندقية وتوسيع قاعدة المستثمرين في هذا القطاع.
واستمرارًا لهذه الإصلاحات، أعلنت هيئة سوق المال في يناير 2025، السماح للأجانب بالاستثمار في الشركات. المملكة العربية السعودية مدرجة في السوق المالية التي تمتلك عقارات دائمة أو مؤقتة داخل حدود مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتهدف هذه الخطوة إلى زيادة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية وزيادة مستويات السيولة في المشاريع العقارية المرتبطة بنظام الحج والعمرة ودعم إنشاء الفنادق والمجمعات السكنية المتطورة بالقرب من المشاعر.
وفي هذا السياق العالمي للتنمية، تم إطلاق… ولي العهد السعودي وفي أكتوبر الماضي، أطلق الأمير محمد بن سلمان مشروع “بوابة الملك سلمان” في مكة، وهي وجهة متعددة الاستخدامات تمتد على مساحة 12 مليون متر مربع بجوار المسجد الحرام. ويتضمن المشروع ما يقرب من 50 ألف وحدة سكنية و16 ألف غرفة فندقية، في متناول جميع المسلمين في العالم، وفق نظام تملك العقارات لغير السعوديين.
وتضم مكة المكرمة أيضًا مشروع «طريق مكة الوجهة»، الذي يمتد على مساحة 1.25 مليون متر مربع، ويهدف إلى استيعاب 158 ألف نسمة من خلال 13 ألف وحدة سكنية تتوزع على 82 برجًا، بالإضافة إلى 24 ألف وحدة فندقية تتوزع على 58 برجًا، و19 ألف شقة فندقية.
وفي المدينة المنورة، يجري تطوير مشروع “رؤى المدينة” على مساحة 1.35 مليون متر مربع، والذي سيضم ما يقرب من 80 ألف غرفة فندقية، ويقدم ما يقرب من 500 وحدة سكنية. وبحسب الرئيس التنفيذي لشركة «رؤى المدينة» القابضة -إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة- المهندس أحمد بن واصل الجهني، فإن نسبة التقدم في إنجاز المشروع تجاوزت 65 بالمائة.

مشاريع البنية التحتية تضاعف القيمة السوقية للأراضي
وتتكامل هذه المشاريع والأنظمة الكبرى المعتمدة مع شبكات البنية التحتية الرئيسية المعتمدة من الدولة لزيادة أعداد الحجاج والمعتمرين، وتتمثل في التوسعات التاريخية للمسجد الحرام بمكة المكرمة، وتحديث شبكات النقل والخدمات اللوجستية المحيطة بالحرمين الشريفين، وتنظيم التطوير العمراني في المشاعر المقدسة. وقد أدى ذلك إلى زيادة حادة في الطلب على قطاع الضيافة (الفنادق والشقق الفندقية) وزيادة القيمة السوقية للأراضي الاستراتيجية في المناطق القريبة من الحرم المكي.
ولمواكبة هذه الطفرة، أبرمت شركة الراجحي المالية وشركة ذخر للتطوير، الخميس الماضي، مذكرة تفاهم لإنشاء صندوق استثمار عقاري في مكة المكرمة باستثمارات تتجاوز ملياري ريال (534.6 مليون دولار). ويهدف الصندوق، الواقع ضمن مشروع “تخير مكة”، إلى دعم قطاع الضيافة والإسكان وتحسين تجربة الاستثمار في العاصمة المقدسة.

سجل الأرباح
وكان لهذا التطور التشريعي أثره الإيجابي على النتائج المالية للشركات العقارية العاملة في المنطقتين والمدرجة في البورصة. المملكة العربية السعودية (تجارة)؛ سجلت الشركات نمواً قياسياً في الأرباح السنوية لعام 2025. وسجلت شركة جبل عمر للتطوير العقاري زيادة استثنائية في الأرباح بلغت 11 مرة، محققة صافي أرباح تجاوزت 2.39 مليار ريال (637.3 مليون دولار) خلال عام 2025، مقارنة بنحو 200 مليون ريال (53.3 مليون دولار) في عام 2024، وواصلت أداءها الإيجابي في الربع الأول من عام 2026 بتحقيقها 116.99 مليون ريال (31.2 مليون دولار).
كما سجلت شركة مكة للإنشاء والتعمير نمواً في الأرباح بنسبة 15 في المائة لتصل إلى 474 مليون ريال (126.4 مليون دولار)، ارتفاعاً من 411 مليون ريال (109.6 مليون دولار) في عام 2024، مع استمرار معدل النمو في الربع الأول من عام 2026 بنسبة 8 في المائة ليصل إلى 162.2 مليون ريال (43.2 مليون دولار).
من جهتها، ارتفعت أرباح شركة طيبة للاستثمار بنسبة 9.3% لتصل إلى 364 مليون ريال (97.1 مليون دولار) في عام 2025، مقابل 411 مليون ريال (109.6 مليون دولار) في عام 2024. كما حافظت على مسارها الإيجابي، محققة أرباحا تجاوزت 124.8 مليون ريال (33.3 مليون دولار) خلال الربع الأول من عام 2026.

دخول المطورين الأجانب يشعل المنافسة
وفي قراءة تحليلية للمشهد، يقول الخبير والمثمن العقاري المهندس أحمد الفقيه لـ«الشرق الأوسط» إن مكة والمدينة تمثلان معقل ملياري مسلم حول العالم، مشيراً إلى أن هذه التشريعات تشكل دفعة تستجيب لتطلعات شريحة كبيرة من المسلمين لتملك العقارات في أسواق المنطقة الغربية (التي تشمل أيضاً جدة والطائف)، آملاً أن يظهر الأثر العميق لهذه الأنظمة على السوق خلال الربعين الأول والثاني من العام الجاري. 2027.
وأضاف الفقيه أن التأثير سيمتد إلى زيادة حجم ونوعية التعاملات العقارية، مع التركيز بشكل أكبر على القطاع السكني مقارنة بالقطاعين الزراعي والصناعي. وتوقع أن تتسارع عجلة التطوير العقاري من خلال تقديم منتجات مخصصة تراعي تعدد الثقافات للجنسيات المستهدفة، لافتا إلى أن سوق المنطقة الغربية سيشهد دخول متوقع للمطورين غير السعوديين الذين سينافسون المطور المحلي في جودة المنتجات العقارية. وقال إن مشرع الحكومة يركز على نقطتين أساسيتين: “توازن العقار واستدامته”، مما يزيد من جاذبية السوق لرؤوس الأموال الدولية الداخلة إليه، ويحوله من العشوائية إلى التنظيم وزيادة الربحية خلال العقد المقبل.

نظام خدمة ضيوف الله
من جهته، أكد أيمن السلطان، المهتم بمراقبة القطاع العقاري، لـ«الشرق الأوسط» أن النشاط العقاري في مكة والمدينة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمنظومة اقتصادية وعمرانية أوسع تهتم بخدمة ضيوف الله، مشيراً إلى أن التطور في السنوات الأخيرة اتسم بالشمولية العمرانية والتنظيمية.
وأكد أن التحديثات التنظيمية تهدف إلى السماح لغير السعوديين بتملك العقارات ضمن ضوابط محددة، بالإضافة إلى تمهيد الطريق للاستثمار الأجنبي في الأعمال التجارية. المملكة العربية السعودية وتعكس الشركات المدرجة التي تمتلك أصولا عقارية في كلتا المدينتين توجها لتوسيع القاعدة الاستثمارية ضمن إطار تنظيمي واضح يحفظ خصوصية هاتين المدينتين.
وأشار إلى أن مشاريع البنية التحتية الكبيرة المتعلقة بالحج والعمرة ساهمت في زيادة الاهتمام بالمشاريع العقارية المرتبطة بقطاعات الضيافة والإسكان والخدمات المساندة للحرمين الشريفين، ومتابعة السوق، يمكن الإشارة إلى أن هذا التقارب بين التنظيم والتطوير الحضري يدعم اتجاه السوق نحو المزيد من المشاريع المنظمة المتعلقة بالخدمات المتعلقة بالحج والعمرة في المرحلة المقبلة.
موسم الحج الحالي يترجم الطفرة التشريعية إلى واقع على الأرض
ويلقي التنافس من هذه التطورات التنظيمية بظلاله المباشرة على موسم الحج الحالي، الذي يشهد ذروة التدفقات البشرية والاستثمارات. ويرى المراقبون أن هذا الموسم يمثل الانعكاس العملي الأهم لمرونة البنية التحتية بعد دخول القرارات التشريعية الأخيرة حيز التنفيذ. ولم تعد المجمعات السكنية والفندقية المحيطة بالحرمين الشريفين مجرد أصول عقارية ثابتة، بل أصبحت ركيزة أساسية في المنظومة الفندقية المتكاملة التي تديرها الصناديق الاستثمارية والشركات المدرجة التي تسعى إلى تلبية الطلب المتزايد في بيئة تنظيمية جذابة ومستقرة.
وفي الختام، فإن هذا النشاط العملياتي المكثف الذي تزامن مع تدفق ضيوف الله، يثبت أن النموذج العقاري الجديد في مكة والمدينة قد تجاوز مرحلة التخطيط النظري ودخل مرحلة الحصاد الفعلي. إن التقارب بين التشريعات الحكومية المرنة والإنفاق الرأسمالي الضخم على البنية التحتية يضع المنطقة الغربية على أعتاب عقد ذهبي من الاستثمار، يعيد رسم خريطة التطوير العقاري العالمي، ويكرس مكانة الحرمين الشريفين كمركز رئيسي للتنمية المستدامة وزيادة النمو الاقتصادي، بما يتماشى مع تطلعات “رؤية المملكة 2030”.
وفي الختام، فإن هذا التكامل بين الإنجازات التنظيمية والموسم الحالي يوضح أن العقارات في العاصمة المقدسة والمدينة المنورة قد دخلت بالفعل مرحلة أقصى جاذبية استثمارية.



