اليمن الغد

محمد بن سلمان: سنواصل أداء واجب العناية بالحرمين وقاصديهما

mohammed
30 مايو 2026
أدوات القراءة:

عبد الكريم الطويل.. رحلة صبر بدأت بلهيب البارود وانتهت بالطواف

في ريف حمص الغربي، حيث يتدفق نهر العاصي عبر القرى وحيث تولد الحكايات من طين الأرض وصبر السنابل، تبدأ قصة الحاج السوري عبد الكريم محمد خضر الطويل، الذي لم يكن لديه حلم آخر سوى رؤية الكعبة وأداء مناسك الحج، والتي تحققت له أخيراً خلال هذا العام.

وجاءت هذه اللحظة التي طال انتظارها بعد سنوات طويلة قضاها الحاج عبد الكريم تحت لهيب البارود وحرارة الشمس، خسر خلالها 9 أفراد من عائلته. تركت هذه المآسي خطوطًا عميقة على وجهه واختصرت أيام الفقد.

وفي قرية الحوز، كان الطويل (57 عاماً) فلاحاً بسيطاً يزرع الأرض وتعطيه ثماراً وافرة. في عام 2010، حزم أمتعته، مملوءاً بالرغبة في أداء مناسك الحج، لكن القدر كتب له رحلة أخرى من الصبر والأمل، فقد خلالها 5 من أبنائه و3 من إخوته وابن عمه.

ومع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، تغيرت حياة عبد الكريم تماماً. وتحولت يد الفلاح من حمل الفأس والتراب إلى حمل السلاح للدفاع عن الأرض والعرض، قبل أن تهاجمه حملات الاعتقال خلال شهر رمضان 2012، وينجو بأعجوبة من المصير الذي ينتظر الكثير من سكان قريته. أما إخوته فلم يحالفهم الحظ، إذ تم اعتقالهم وتعذيبهم، وقتل شقيقه الأكبر، تاركاً وراءه 10 أيتام، في مشهد قصم ظهر العائلة ولكن ليس يقينها.

ومنذ تلك اللحظة دخل الرجل البالغ من العمر 57 عاما رحلة طويلة ومؤلمة. يقضي أيامه في المزارع بحثًا عن طعام يسد جوع أطفاله، ولياليه في خطوط الحراسة والقتال. وقال بصوت مثقل بالذاكرة: “لقد مررنا بمأساة حقيقية، لكن إيماننا بعدالة قضيتنا كان أقوى من أي شيء آخر”.

وفي عام 2013، اجتاحت جحافل من القتلى قريتهم، مما أدى إلى اندلاع القتال في المنطقة، واضطرت العائلة إلى الفرار إلى الحدود اللبنانية. ومن مدينة عرسال، اتخذ عبد الكريم قرار العودة إلى سوريا، معتبراً أن «الموت في وطنه أشرف من الحياة في المنفى»، لكن الألم الأكبر كان ينتظره هناك.

وفي ليلة الهجوم الدامي قُتل الابن الأول لعبد الكريم أمام عينيه. فحملها الأب ودفنها بيده تحت جنح الظلام. وفي فجر صباح اليوم التالي، تبعه ابنه الثاني، ورقدا جنبًا إلى جنب، بينما دُفن نصف قلبه معهم. والمآسي تتبع بعضها البعض. وأصيب ابنه محمد وتوفي متأثرا بجراحه. وبعد أيام قليلة، انضم إليه ابنه الرابع عيسى، ثم يوسف ابنه الخامس. كان الأمر كما لو أن الموت كان يطرق باب هذا الرجل مرارا وتكرارا، دون رحمة.

وبين الاعتقال والاشتباكات، فقد عبد الكريم أيضاً اثنين من إخوته وابن عمه، حتى وصل عدد الأشخاص الذين ودعهم من أفراد عائلته وحاشيته إلى تسعة. ومع كل قبر حفره بيديه، لم يفقد عبد الكريم إيمانه، بل زاد تمسكه به. وبقي حلم الطواف حول الكعبة محفورا في قلبه كنافذة من نور وسط هذه الكومة الهائلة من الأحزان والألم.

وفي موسم حج هذا العام، وقف الحاج السوري أخيرا أمام الكعبة المشرفة لأول مرة في حياته، مرتديا ثوب الإحرام الأبيض، فيما كانت على جسده آثار أكثر من 11 رصاصة استقرت بين حوضه وباطن قدمه. وهنا تدفقت دموعه لأول مرة، على حد قوله، واختلطت الدعوات بأسماء أبنائه وإخوته الذين سبقوه، وهو يشعر أن الله الذي عانى كل هذا الفقد، منحه أخيراً لحظة العزاء التي كان ينتظرها منذ 16 عاماً.

ويقول عبد الكريم إن هذا الحج هو أول ثمرة الصبر الطويل وأنه لا ينظر إلى الماضي بندم، بل بيقين أن أبنائه وإخوانه كانوا سبيله إلى الله وأنهم سيكونون شفعاءه يوم القيامة. ولم يخف إعجابه الكبير بالخدمات المقدمة لضيوف الله، وكذلك ما وجده من خدمات وتنظيم خلال موسم الحج، مؤكداً أن ما تقدمه السعودية لحجاج بيت الله الحرام يفوق الوصف ويعكس توسع مواقفها الإنسانية تجاه الشعب السوري على مر السنين.

Google News

تابعنا على Google

المصادر المفضلة
متابعة