الأخبار

السعودية… ميثاق أخلاقي لإعلام الذكاء الاصطناعي

وأطلق وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري، الأسبوع الماضي، وثيقة “المبادئ الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام”، بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، خلال فعاليات الملتقى الإعلامي السعودي.

هل نحن أمام حدث مهم قولا وفعلا؟

دون التقليل أو المبالغة، هذا صحيح، خاصة أننا لا نزال نقول إن الإعلام يصنع الصيف أو الشتاء، وكان ذلك في عصر الأدوات التقليدية، عندما اخترع مارشال ماكلوهان، الفيلسوف الكندي، في ستينيات القرن الماضي، عبارة “القرية العالمية”. كان ذلك عندما عرف العالم التلفاز وقبل ذلك الراديو، فماذا عن هذا الوضع في عصر «صندوق العالم» الذي يسمى «الهاتف الذكي».

وتمثل الوثيقة المذكورة منظورا وإطارا وطنيا يسعى إلى تنظيم الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام، ووفقا لنصها، تحسين موثوقية المحتوى، خاصة في ظل تسارع التحولات الرقمية العالمية من حولنا.

أصبح الذكاء الاصطناعي موضوعاً للنقاش والتشاور فيما يتعلق بالتطورات التكنولوجية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، خاصة أنه أصبح في متناول الجميع. تطرح لنا الوثيقة عدة نقاط انطلاق: بعضها يمثل تحديات راهنة في سياق تقديم الحقيقة، خاصة في ظل حالة الكذب الإعلامي العميق، الذي تسهله بشكل مباشر الأدوات التكنولوجية الحديثة، والذي لا يستطيع أحد التنبؤ بتطوره في المستقبل.

ولم يعد الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن جميع المؤسسات الإعلامية والصحفية في العالم، وبالطبع المملكة العربية السعودية، ليصبح أداة رئيسية لتطوير الرحلات الإعلامية الحديثة، وزيادة الكفاءة التشغيلية، وتسريع المحتوى وتحسين تحليله وتوزيعه. وفي هذا السياق تبدو العوائق والتحديات واضحة ومخيفة، لأنها تبدأ بالخلط بين ما هو صحيح وما هو باطل، مما يعني ضرورة وجود معايير للتمييز.

ولعل ما يزيد من أبعاد الأزمة هو حالة الانحياز الخوارزمي، الذي يصعب مواجهته، خاصة إذا كنا نتعامل مع وسائل إعلام محايدة وعادلة تسعى إلى تغليب فكرة الصالح العام على الرؤى الضيقة للبراغماتية الأنانية.

ومن الواضح أن جوهر المشكلة يكمن في أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكنه اليوم تقديم محتوى إعلامي مضلل وخادع، بما في ذلك من خلال صور مزيفة بحرفية وإتقان شديد الدقة، وهو ما قد يصعب تمييزه، حتى بالنسبة للمتخصصين في صناعة الإعلام.

علاوة على ذلك، فإن الابتكارات في هذه الاستخبارات تتيح تقديم محتوى يكون مضللاً أحياناً ومسيء أحياناً أخرى، ولهذا السبب تلزم الوثيقة الإعلامية السعودية الجديدة جميع الأطراف المعنية، العامة والخاصة، باتخاذ إجراءات ملموسة لرصد الانتهاكات والحد منها، وكذلك الكشف عنها بشكل إلزامي عند استخدامها.

لقد أنتج عالم الإعلام المعتمد على الذكاء الاصطناعي، كما هي العادة في الحياة، جانبين من المشكلة. أحدهما مبدع والآخر مثير وخطير.

لقد أصبحت وسائل الإعلام الإنجابية المعاصرة قادرة على الخلط بين ما هو خاص وما هو عام، مما أدى إلى تفاقم انتهاك دائرة الخصوصية الإنسانية، وبالتالي إهانة الكرامة الإنسانية للفرد. إضافة إلى هذا وذاك، فقد فتح باب التحيز والتمييز.

ولعله من نافلة القول أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت اليوم من أهم وسائل الإعلام الحديث، أصبحت في حد ذاتها وسيلة مزدوجة يمكن أن تضمد جراح الانقسامات، بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، أو تعمق الخلافات وتزرع الفتنة بين الأمم والشعوب، مما يرسخ سمات العنف المعاصر والكراهية المتزايدة، دون إغفال كارثة الصور النمطية السلبية والإضرار بسمعة وحقوق مختلف الفئات الإنسانية.

وتمثل وثيقة وزارة الإعلام السعودية خطوة نوعية مهمة ومقدرة ومرغوبة، تؤكدها تجربة الأشهر الأخيرة، حيث ترك الإعلام المنتج تأثيره على حالة العالم، شرقا وغربا، سلبيا وإيجابيا، ويمهد الطريق لبناء مسار إعلامي رقمي مسؤول يعزز الابتكار دون المساس بالقيم المهنية ويواكب التكنولوجيا العالمية بما يدعم أهداف المملكة في بناء منظومة إعلامية تتماشى مع “رؤية 2030” للمملكة.

وتؤكد الوثيقة أن وسائل الإعلام ستواجه مخاطر كبيرة في الأيام المقبلة، وهو ما لفت إليه عالم السيميائي الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو قبل وفاته، عندما حذر مما أسماه “جحافل البلهاء”. أي أن من أصبح لديهم أدوات كالهواتف الذكية، يصلون من خلالها إلى الرأي العام، يبثون ويبثون ما يريدون فعله، دون رقابة أو محاسبة، وهو ما يمثل الوجه الآخر السلبي للعملة الاستخباراتية الذي يمثل كوارث إعلامية غير تقليدية.

إن وثيقة الرياض هي في الأساس دعوة دولية لاتخاذ خطوة أوسع نحو تنظيم أكثر شمولا لوسائل الإعلام من أجل خدمة الحقيقة، وليس الأكاذيب، وتعزيز المصالحة والتسامح، في عالم يئن الآن من الكراهية والحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى