الأخبار

تحليل أداء البتروكيماويات السعودية في 2026

سجل قطاع البتروكيماويات السعودي بعض التحسن في الربع الأول من عام 2026، لكن لا يبدو أن هذا التحسن كاف لتهدئة المخاوف بشأن مستقبل الصناعة، في ظل استمرار ضغوط الطلب العالمي وفائض العرض وارتفاع تكاليف المواد الخام والنقل، بالإضافة إلى اضطرابات التصدير التي فرضتها التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

وبحسب تقرير AGBI، سجلت ثماني شركات بتروكيماويات سعودية خسارة صافية مجمعة بلغت حوالي 244 مليون دولار في الربع الأول، مقارنة بخسائر قدرها 271 مليون دولار في نفس الفترة من العام السابق. وحتى لو أظهرت الأرقام تحسنا نسبيا، فإنها تكشف في الوقت نفسه أن القطاع لا يزال بعيدا عن التعافي الحقيقي والدائم.

وجاءت «سابك» في قلب الصورة. وحققت الشركة، إحدى أكبر شركات الكيماويات في العالم، أرباحا صافية متواضعة قدرها 13.2 مليون ريال سعودي (حوالي 3.52 مليون دولار) في الربع الأول من عام 2026، بعد أن منيت بخسارة قدرها 1.21 مليار ريال (حوالي 322.5 مليون دولار) خلال الفترة نفسها من عام 2025. كما بلغت إيراداتها 26.15 مليار ريال (حوالي 322.5 مليون دولار) 6.97 مليار دولار). بانخفاض قدره 6% مقارنة بالربع السابق، في حين ارتفع هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك إلى 15.9%.

الأزمة مستمرة
لكن عودة سابك إلى الربحية لا تعني أن القطاع خرج من الأزمة. وأشارت الشركة نفسها إلى أن هذا التحسن يرجع جزئيا إلى خفض التكاليف وبرامج إعادة الهيكلة وتحسين الهوامش، وليس إلى زيادة الطلب. كما تحول التدفق النقدي الحر إلى سلبي، عند نحو 270 مليون ريال (حوالي 72 مليون دولار)، بسبب زيادة رأس المال العامل، وهو ما يعكس استمرار الضغط على السيولة التشغيلية.

تواجه شركات البتروكيماويات السعودية معضلة مزدوجة: أسعار المنتجات النهائية لا ترتفع بما فيه الكفاية، في حين أن تكاليف المواد الخام والطاقة والنقل لا تزال مرتفعة أو متقلبة. وقال محللون إن انخفاض أسعار المنتجات، مقارنة بارتفاع أسعار بعض المواد الخام، يفرض ضغوطا قوية على هوامش المنتجين السعوديين، خاصة مع ضعف الطلب العالمي ووفرة المعروض في الأسواق الآسيوية.

ومما يزيد الوضع تعقيدا وجود الصين، السوق الأكثر أهمية للعديد من البتروكيماويات الخليجية. إن تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع الطلب الصناعي وتراكم الطاقة الإنتاجية الجديدة منذ عام 2019 كلها عوامل أضعفت قدرة المنتجين على نقل التكلفة إلى المستهلكين. ووفقا للتقديرات التي أوردتها “أرقام” التابعة للمجموعة المالية هيرميس، فإن نمو العرض بين عامي 2019 و2024، مع استمرار التوسع حتى عام 2025، أبقى الأسعار تحت الضغط في وقت كان فيه نمو الطلب أضعف من المتوقع.

ومن ناحية أخرى، لم تكن الاضطرابات الجيوسياسية عاملا هامشيا. وأشار الرئيس التنفيذي لشركة بترورابغ عثمان الغامدي، إلى أن التطورات في الربع الأول من عام 2026 أدت إلى زيادة مستويات التقلب في أسعار الطاقة وأسعار الشحن وسلاسل التوريد، متوقعاً استمرار هذا التقلب في الربع الثاني. على الرغم من أن موقع بترورابغ على البحر الأحمر يمنحها ميزة لوجستية، إلا أن تكاليف النقل المرتفعة وعدم اليقين التجاري تظل عوامل تشكل ضغوطًا على القطاع ككل.

لا انتعاش في الطلب
ولذلك تبدو نتائج الربع الأول أقرب إلى “التنفس” منها إلى بداية دورة صعودية واضحة. وقد تحقق هذا التحسن من خلال خفض الإنفاق وإعادة هيكلة المحفظة وتحسين الكفاءة التشغيلية، وليس من خلال التعافي القوي في الطلب النهائي. وفي يناير 2026، أعلنت (سابك) عن بيع أصول في أوروبا والأمريكتين بقيمة مؤسسية تبلغ حوالي 950 مليون دولار، كجزء من استراتيجية أوسع للتخارج من بعض الأعمال غير الأساسية والتركيز على عمليات أكثر ربحية.

وتبقى المفارقة أن المملكة العربية السعودية تمتلك واحدًا من أكثر قطاعات البتروكيماويات تقدمًا في المنطقة، مدعومًا بالبنية التحتية الصناعية في الجبيل وينبع، والتكامل مع أرامكو وقدرات التصدير الهائلة. لكن هذه الفوائد وحدها لم تعد كافية في سوق عالمية تعاني من وفرة الإنتاج، وتزايد المنافسة الآسيوية، وتقلب أسعار النفط والغاز، والضغط على هوامش الربح.

مجمع البتروكيماويات (الطاقة)

مجمع البتروكيماويات (الطاقة)

الخلاصة: لم يجلب الربع الأول من عام 2026 سوى القليل من الأخبار الإيجابية لصناعة البتروكيماويات السعودية: فقد انخفضت الخسائر، وعادت شركة سابك إلى الربحية الرمزية، وأظهرت بعض الشركات قدرة أفضل على استيعاب الصدمات. ولكن بشكل عام، لا يزال الوضع حذرا. ويحتاج القطاع إلى ما هو أكثر من مجرد خفض التكاليف وإعادة الهيكلة؛ ويتطلب ذلك حدوث انتعاش حقيقي في الطلب العالمي، واستقرار سلاسل التوريد، وتوازن أكثر وضوحا بين العرض والأسعار. في غضون ذلك، سيظل مستقبل صناعة البتروكيماويات السعودية “محفوفا بالمخاطر” رغم التحسن الواضح في الأرقام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى