الأخبار

السعودية تتحول إلى مركز لوجستي عالمي في الأزمة

وفي ذروة الاضطرابات التي فرضت على حركة الملاحة البحرية في الخليج بسبب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز، رأت المملكة العربية السعودية فرصة لاختبار أكبر مشروع لوجستي لها: الانتقال من اقتصاد يستفيد من موقعه الجغرافي إلى مركز قادر على إعادة توجيه التجارة العالمية عندما تتعطل الطرق الحساسة.

للحمل أعلن وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، عن إطلاق 21 خطاً بحرياً جديداً تمر عبر موانئ المملكة خلال الأحداث الحالية، وهي رسالة سياسية وتشغيلية في الوقت نفسه، لأن السعودية لا تقدم لنفسها ممراً بديلاً فحسب، بل شبكة بحرية وبرية قادرة على امتصاص الصدمات في حال تمزق البوابة الرئيسية للخليج.

وقال الجاسر في مقال عبر منصة “X”: إن تفاعل الخطوط الملاحية العالمية الكبرى وإطلاق خدمات ملاحية جديدة عبر موانئ المملكة بإجمالي 21 خطاً ملاحياً يؤكد مكانة السعودية كمركز لوجستي عالمي ومحور رئيسي لحركة التجارة الدولية.

وأضاف أن هذه الخدمات تزيد من كفاءة الربط البحري مع الأسواق الإقليمية والعالمية وتدعم التدفق السلس لخدمات الصادرات والواردات والشحن العابر في مختلف الظروف.

شبكة موانئ واسعة النطاق على ساحلين

وتدير هيئة الموانئ السعودية “مواني” تسعة موانئ بحرية، منها ستة تجارية وثلاثة صناعية، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 297 كيلومترا مربعا، بحسب بيانات حكومية “سعوديبيديا”.

وتشمل الشبكة ميناء جدة الإسلامي، وميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وميناء الملك فهد الصناعي بالجبيل، وميناء الجبيل التجاري، وميناء الملك فهد الصناعي بينبع، وميناء ينبع التجاري، وميناء جازان، وميناء ضبا، وميناء رأس الخير.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الشبكة في أن أكثر من 95% من صادرات المملكة و70% من وارداتها تمر عبر الموانئ السعودية، فيما تضم ​​291 رصيفاً بقدرة استيعابية لنحو 20 مليون حاوية قياسية سنوياً حتى عام 2022. وتمنح هذه الأرقام السعودية قدرة عملية على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ لوجستي في أوقات الأزمات، بحسب خبراء النقل الدوليين.

ميناء جدة الإسلامي (أ ف ب)

ميناء جدة الإسلامي (أ ف ب)

جدة تتحول إلى مركز لوجستي عالمي

وآخر الإضافات التي أعلنت عنها «مواني» هي الخدمة البحرية (Ocean Rise Express) التابعة لشركة (CMA CGM) الفرنسية إلى ميناء جدة الإسلامي. وتربط الخدمة الجديدة المملكة بالموانئ الرئيسية في اليابان والصين وأوروبا، بما في ذلك كوبي وناغويا ويوكوهاما وشيامن ويانتيان ونانشا وروتردام وهامبورغ وساوثامبتون، عبر سفن تصل سعتها إلى 10 آلاف حاوية قياسية.

يقول المحلل الاقتصادي السعودي عبدالله القحطاني في تصريحات لـ«النهار». ولا تعد هذه الخدمة مجرد تغيير في جدول الإبحار، بل تعزز دور جدة كنقطة اتصال مباشرة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، في وقت تضاءلت فيه قدرة الشركات على الاعتماد الكامل على طرق الخليج. وبذلك تطور ميناء جدة الإسلامي من بوابة محلية للاستيراد والتصدير إلى مركز رئيسي في شبكة بدائل الشحن التي تسعى إليها شركات الشحن العالمية.

وفي مارس الماضي، أعلنت “مواني” إضافة خمس خدمات شحن جديدة بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية، من بينها (Gulf Shuttle)، و(REDEX)، و(JADE)، و(AE19)، و(SE4)، في خطوة تعكس اتجاهاً لزيادة كثافة اتصالات الشحن عبر الموانئ السعودية وسط الاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

من هرمز إلى الجسر البري

ويرى المحلل الاقتصادي السعودي أن الموانئ السعودية “نجحت في تحويل أزمة إغلاق مضيق هرمز الناجمة عن التوترات والحرب الإيرانية إلى منصة استراتيجية لإعادة رسم خريطة الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد العالمية”.

وبحسب القحطاني، فإن إطلاق 21 خطا ملاحيا جديدا بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية كان “إجراء استباقيا ومدروسا” ساعد على امتصاص الصدمات البحرية وتأمين التدفقات التجارية عبر طرق بديلة.

وتؤكد تحركات شركات الشحن العالمية هذا الاتجاه. وقالت رويترز إن الحرب التي بدأت بضربات أمريكية إسرائيلية على إيران في فبراير/شباط، أعقبتها هجمات إيرانية وإغلاق مضيق هرمز، أدت إلى إغلاق شبه كامل لحركة الشحن في الخليج وأثرت على سلاسل الإمداد العالمية.

وأضافت رويترز أن ميرسك استخدمت نظام “الجسر البري” عبر موانئ جدة بالسعودية وصلالة وصحار بعمان وخورفكان بالإمارات العربية المتحدة لمصادرة الشحنات ثم نقلها براً إلى وجهات في الخليج. ووفقاً لتشارلز فان دير ستين، المدير الإقليمي لشركة ميرسك في الشرق الأوسط، فإن الكميات المشحونة إلى ميناء جدة قفزت بنسبة 40% منذ بداية الصراع.

موانئ البحر الأحمر تزيد وزنها

ويقول القحطاني إن الدور اللوجستي للموانئ السعودية يمثل “مرونة شديدة وقدرة على تحويل مركز الثقل التجاري بشكل فعال إلى موانئ الساحل الغربي، بما في ذلك ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبد الله، لتجنب بؤرة الصراع في الخليج العربي”.

وتمنح هذه المرونة السعودية ميزة نادرة في المنطقة، التي تمتلك بنية تحتية بحرية على ساحلين، أحدهما على الخليج الفارسي والآخر على البحر الأحمر. وعندما تزيد المخاطر بالقرب من هرمز، يمكن للمملكة تحويل جزء من الحركة التجارية إلى جدة وينبع وضباء وجيزان، ثم إعادة ربط البضائع بالأسواق المحلية والخليجية عبر الطرق البرية وشبكات النقل متعددة الوسائط.

وفي مارس/آذار، أطلقت السعودية أيضاً “مبادرة الممرات اللوجستية” لاستقبال الحاويات والبضائع المنقولة من موانئ المنطقة الشرقية وموانئ دول مجلس التعاون الخليجي إلى ميناء جدة الإسلامي وموانئ أخرى على ساحل البحر الأحمر، في مسعى للحفاظ على التدفقات التجارية في ظل الاضطرابات الخليجية.

مكاسب تتجاوز إدارة الأزمات

كما يرى أن مكاسب السعودية لا تتوقف عند إدارة الطوارئ، إذ إن إضافة خطوط ملاحية تزيد من إيرادات خدمات الموانئ، وتعزز جاذبية المناطق اللوجستية، وتدعم هدف رؤية 2030 المتمثل في تحويل المملكة إلى مركز عالمي لخدمات النقل والخدمات اللوجستية.

ويدعي القحطاني أن المملكة العربية السعودية تكتسب فوائد سياسية واقتصادية وهيكليية طويلة المدى من خلال هذا النظام. وعلى المستوى السياسي، تعزز المملكة دورها كركيزة استقرار للأمن الغذائي والتجاري الدولي، وعلى المستوى الاقتصادي، تساهم الخطوط الجديدة في زيادة إيرادات الشحن ومناولة الحاويات، وتمنح الصادرات الوطنية ميزة تنافسية من خلال تقليل أوقات الوصول وخفض تكاليف الانتظار والتأمين.

وفي أغسطس 2024، افتتحت ميرسك أكبر منطقة لوجستية لها في الشرق الأوسط ضمن ميناء جدة الإسلامي بمساحة 225 ألف متر مربع وباستثمارات 250 مليون دولار. وبحسب القحطاني، فإن هذا النوع من الاستثمار يحسن قدرة جدة على الانتقال من ميناء المناولة إلى منصة خدمات متكاملة بما في ذلك التخزين والتوزيع وإعادة التصدير وإدارة سلسلة التوريد.

وهو يرى هذا وبهذا المعنى، لا تبدو أزمة هرمز مجرد اختبار عابر للموانئ السعودية، بل هي لحظة تكشف كيف تحاول المملكة تحويل الاضطرابات الجيوسياسية إلى فرصة لتعزيز مكانتها في قلب التجارة العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى